حق الجنين في القانون

أن التغيرات والتطورات التي حصلت في ميدان العلم والطبيعة، في مجالات الاقتصاد والاتصالات وبداية حملات التبشير لظاهرة العولمة جعلت من الصعب لمجتمع ما بعد الاهتمام لما يجري وما يحدث في البلدان المجاورة.

أن الموقع الذي يحتله المجتمع العربي باعتباره مستهلك ومستورد مقارنة بالموقع الذي تحتله المجتمعات الأوروبية باعتبارها منتجة ومصدّرة جعلها ليس فقط منتجة ومصدّره للسلع والبضائع ومشتقات الحليب وإنما ايضاً للأفكار والموضات وبعض الممارسات والعادات.

إذن ليس من غير المفيد أن ندرس ونحلل ونفهم الممارسات الفردية والعلاقات الاجتماعية التي تسود المجتمعات الأوروبية حتى ولو كانت تلك الممارسات والعلاقات غير طبيعية موضوعياً وغريبة وشاذة وغير معنوية بالنسبة إلى مجتمعنا العربي.

بداية الألفية الثالثة لتاريخ البشرية بعد الميلاد تشهد تكريس – على صعيد القضاء – وتقنين (من كلمة قانون) – على الصعيد التش ر يعي – عادات وممارسات، نحكم عليها وفقاً لمفاهيمنا الاجتماعية العربية، شاذة وغير أخلاقية كما ذكرنا ذلك أعلاه. من بين هذه الممارسات والعادات العلاقة العاطفية والجنسية بين شخصين من جنس واحد؛ قد تكون علاقة بين امرأة وأخرى وقد تكون علاقة بين رجل وآخر وما يطلق على هذه العلاقة في اللغة الفرنسية Homosexuelle هذا النوع من العلاقات اصبح مجتمعاً من قبل القضاء ومعترفاً به قانونياً وهذا ما سنقوم بشرحه أدناه.

التكريس القانوني لظاهرة الشذوذ الجنسي

منذ الأول من شهر نيسان لسنة 2000 ابريل/ نيسان شخصين من جنس واحد لهم الحق في اعلان زواجهما وتبني وتربية الأطفال. هذا ما تقرر في هولندا وبموجب القوانين التي صدرت في 21/12/2000 حيث ألغيت الفروقات بين الرجل والمرأة بالنسبة إلى الزواج وتكوين الأسرة.

ما حصل في هولندا هو ظاهرة، أو نتيجة متوقعة لشيوع ظاهرة التعايش والمصاحبة التي تميزها الدوافع الجنسية والعاطفية بين شخصين من جنس واحد في كافة الدول الأوروبية.

ففي فرنسا والدنمارك وبلجيكا صدرت قوانين تُعرف وتنظم العلاقة العاطفية بين شخصين من جنس واحد وتعترف بنتائجها لكنها – أي القوانين – لا تعتبرها ولا تعرفها بعلاقة زواج.

لذلك تعتبر التجربة الهولندية في تشريع الزواج بين شخصين من جن واحد تجربة فريدة في دول المنظومة الأوروبية ومن المتوقع أن تحذوا بعض الدول الأوروبية حذوا هولندا في هذا المجال.

القانون الهولندي لا يؤخذ بنظر الاعتبار فيما إذا كان هذا الزواج ممنوعاً أم غير ممنوع بالنسبة لقانون بلد أحد الزوجين إذا كان احدهما لا يحمل الجنسية الهولندية بطبيعة الحال – على سبيل المثال:

شخص مقيم في هولندا بصورة دائمة وهو يحمل الجنسية البريطانية وتزوج من شخص آخر الجنسية الاسبانية؛ مثل هذه العلاقة اعلانها وتسجيلها في هولندا كعلاقة زواج شرعية كافة الأثار القانونية التي تترتب عليها أمر ممكن.

أن شمولية هذا القانون الذي يُشرع العلاقات الغير طبيعية سيجعل من هولندا المكان الجغرافي والقانوني لإستقبال الأشخاص ذو العلاقات الجنسية والعاطفية الغير طبيعية والذين يسعون إلى اعتراف وحماية قانونية لعلاقاتهم. ومن الطريف القول بأن لو كان هدف هونلدا من سن وتشريع وتطبق هذا القانون هو التغلب على مشكلة تقص السكان الذي تعاني منه هولندا فسوف لا تتوقع تحقيق هدفها هذا لأن الأشخاص ذو العلاقات العاطفية والجنسية الشاذة والغير طبيعية لا يتكاثرون والحمد لله !

من الضروري الآن معرفة مدى اعتراف الدول الأوروبية الاخرى بهذا النوع من الزواج وتطبق آثاره على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي.

للحكم على شرعية وقبول أثار هذا النوع من الزواج في بلد آخر مثل فرنسا أو أي بلد آخر ينبغي السعي أو البحث عن الجواب في مصدرّين وهما القانون الدولي الخاص وقانون الفرد (قانون الأحوال الشخصية) لذلك البلد: مثلاً في فرنسا ومن ناحية عامة ومبدئية في الزواج بين شخصين من جنس واحد وكلاهما يحملان الجنسية الهولندية وقد تم هذا الزواج وفقاً لقانون بلادهم هو زواج شرعي والقانون الوحيد الذي يطبق على أي نزاع في شكل وجوهر هذا الزواج هو قانون بلدهم.

هذا من ناحية قواعد القانون الخاص الدولي؛ أما وبموجب قانون الفرد الفرنسي أو قانون الأحوال الشخصية؛ فالعلاقة الجنسية والعاطفية بين شخصين من جنس واحد لا يمكن أن تكون علاقة زواج؛ بعبارة أخرى هذا النوع من العلاقة لا يدخل ضمن تعريف الزواج حسب القانون المدني الفرنسي حيث أن هذا القانون يُعرف الزواج بكونه اتحاد بين رجل وامرأة أي علاقة حميمة بين شخصين من جنس مختلف.

من ناحية اخرى العلاقة بين شخصين من جنس واحد والتي تعتبر زواج وفقاً للقانون الهولندي لا يمكن قبولها كزواج والاعتراف بها وبأثارها وفقاً للقانون الفرنسي لأنها مخالفة للنظام العام وتطبق هذه القاعدة – قاعدة النظام العام – يتطلب استبعاد ورفض أي قانون أو حكم أو عقد أجنبي.

اختلاف الجنسية في علاقة الزواج تعتبر من قواعد النظام العام الفرنسي وكذلك الحال لتشريعات دول متعددة، لذا القانون أو الحكم أو العقد المخالف لقاعدة النظام العام لا يمكن اعتباره شرعياً ونافذ المفعول في فرنسا.

ولفرض التوضيح والمقارنة مع مفاهيم وأنواع الزواج السائدة في فرنسا والمعالجة من قبل القانون والقضاء نتطرق إلى حق تعدد الزوجات المنصوص عليها في التشريع الإسلامي والمطبق في أغلب الدول الإسلامية والعربية.

هذا النوع من الزواج يندرج تحت تعريف الزواج في كافة تشريعات الدول أوروبية رغم كون هذه الدول لا تعترف به ولا تسمح بإبرامه فوق أراضيها وإذا حصل ذلك تعتبره زواجاً باطلاً.

والسبب في إبطاله يعود إلى ثلاث اعتبارات: دينية، ومعنوية وثالثاً كونه مخالفاً لمبدأ تساوي الرجل والمرأة ويعتبر انتقاصاً لكرامة المرأة. وقد صرح البرفسور malaurie من كبار المختصين في القانون المدني الفرنسي قائلاً بخصوص حق تعدد الزوجات بأن التشريع الإسلامي يعتبر النسبة لنا من اغرب التشريعات القانونية لأنه يشرّع وينظم حق تعدد الزوجات.

من جانبنا نعتبر هذا الحكم على التشريع الاسلامي كونه تشريعاً غريباً مقارنة بالتشريعات الأخرى لأنه يشرّع وينظم حق تعدد الزوجات – حكماً غير موضوعياً – وذلك للأسباب التالي:

أولاً: حق تعدد الزوجات هو قبل كل شيء علاقة زواج ويُعرف كذلك وفقاً لكافة التشريعات ومنها تشريعات الدول الأوروبية لأنه يُجسد علاقة اتحاد بين رجل وامرأة أي بين شخصين من جنس مختلف.

ثانياً: المجتمعات الأوروبية تشهد ومنذ فترة طويلة ظاهرة أي مصاحبة أو العيش مع شخص متزوج وهي علاقة عاطفية وجنسية تربط رجل متزوج بأمرأة أو امرأة متزوجة برجل وتتسم هذه العلاقة بطابع الديمومة والاستمرار وممكن تشبيهها بعلاقة زواج مستتر وغير رسمية. هذه الظاهرة شائعة وقد خُصصت لها دراسات قانونية عديدة كما أن القانون الفرنسي على سبيل المثال يعترف بأثارها ونتائجها. في قرارات قضائية عديدة، المحاكم الفرنسية أعترفت بحق العشيقة بالمطالبة بالتعويض نتيجة وفاة عشيقها، وهو رجل متزوج، بحادث سيارة أسوة بزوجة الرجل التي هي ايضاً طالبت بتعويض.

ثالثاً: اغلب تشريعات الدول الأوروبية تعترف بالعلاقات العاطفية أو الجنسية بين شخصين من جنس واحد وتضع لها الحماية القانونية وتعترف ببعض نتائجها – كالإعفاء من الضرائب للذين يعيشون تحت سقف واحد شأنهم شأن المتزوجون وأحياناً تبني طفل ولو أن هذه التشريعات – باستثناء التشريع الهولندي – لن تعترف بها أو تعتبرها علاقة زواج.

هذه الأسباب المذكورة وبصورة موجزة تسمح لنا بالقول بأن تشريعات الدول الأوروبية المتعلقة بقوانين الزواج والعائلة تمتاز بالغرابة والشذوذ فيما يتعلق بقبولها بالعلاقات العاطفية والجنسية وما يترتب على هذه العلاقات من نتائج بين شخصين من جنس واحد وهي بطبيعة الحال علاقات غير طبيعية – بل وتسعى الدول الأوروبية إلى توفير الكادر القانوني والحماية القانونية لهذه العلاقات.

د0 صالح بن بكر الطيـار

محام ومستشــار قانوني