بعض اشكاليات التحكيم القضائي وفقا للقانون

رقم 11 لسنة 1995 وسبل التغلب عليها

ورقة لمؤتمر الكويت الدولي للتحكيم التجاري والمنظم من قبل وزارة العدل والمنعقد في الفترة من 27-29 أبريل / نيسان بفندق ميرديان / الكويت

الدكتور محمد عبد المحسن المقاطع
أستاذ القانون المساعد
كلية الحقوق / جامعة الكويت
أبريل / نيسان 1997
تمهيد :
يعتبر التحكيم من أقدم صور حل المنازعات بين البشر منذ وجدت المجتمعات الإنسانية، أي أنه قبل أ|ن توجد الدولة أصلاً وما تبعها من تنظيمات قضائية تتولى فض المنازعات القائمة بين أفراد المجتمع. ولا غرابة والأمر كذلك أن نجد أن التحكيم في الكويت كان قائماً قبل أن تنشأ الدولة الكويتية الحديثة بأنظمتها ومؤسساتها المختلفة ، بما في ذلك السلطة القضائية ، التي لم تظهر إلآّ في النصف الثاني من القرن الحالي. ولعله مما يساعد على قيام التحكيم في معظم مناحي الحياة الاقتصادية ، وهو ما ألقى بظلاله على النظام اللازم منازعات الناس حين نشوئها ، فكان التحكيم سبيلاً مناسباً لذلك .
وقد نظم المشرع الكويتي التحكيم لأول مرة في قانون المرافعات رقم 6 لسنة 1960 وأجريت عليه بعض التعديلات التي كانت لازمة لتطويره وكان أهمها القانون رقم 3 لسنة 1971 والذي أضاف المادة 264 مكرراً من قانون المرافعات ،وعاد المشرع الكويتي إلى تنظيم التحكيم بشكل كامل مرة أخرى في قانون المرافعات المدنية والتجارية الصادر بالمرسوم بالقانون رقم 38 لسنة 1980 في 4 يونيو 1980 ، وقد لحقت هذا القانون تعديلات عديدة بالقوانين أرقام 121 لسنة 1986،و 42 لسنة 1987 ، و3 لسنة 1988،و 44 لسنة 1989، و 57 لسنة 1989، و 47 لسنة 1994 ، و 18 لسنة 1995 .
وقد جاءت أحكام التحكيم في الباب الثاني عشر من قانون المرافعات من لمتادة 173 إلى المادة 188 منه ، أي أنه نظمه بستة عشرة مادة فقط .
وفي عام 1995 عمد المشرع إلى إصدار قانون خاص هو القانون رقم 11 لسنة 1995 بش|أن التحكيم القضائي المنصوص عليه في المادة 177 من قانون المرافعات مع إلغاء حكمها لانتهاء سبب وجودها بعد أن نظم موضوعها كاملاً بقانون خاص صدر من أجل ذلك ألا وهو القانون رقم 11 لسنة 1995 .
ويتضح من خلال العرض السابق سرعة وأهمية التطورات التي مر بها التحكيم في الكويت خصوصاً التشريعات التي عمدت إلى تنظيمه مرة تلو الأخرى مع محاولة تجنب العيوب التي كشفت عنها التجارب العلمية ، وعلى وجه الخصوص التحكيم القضائي الذي حظي باهتمام وافر ، فافرد له قانوناً خاصاً عمد إلى تجاوز إشكالات الماضي ووضع حلولاً وأحكاماً جديدة تتجاوب مع المتغيرات والظروف المستجدة.
من هنا فإن هذه الورقة مع تأكيدها على المميزات والايجابيات التي جاء بها قانون التحكيم القضائي إلا أنها تسعى إلى تسليط الضوء على بعض إشكاليات التحكيم القضائي في القانون الكويتي رقم لسنة 995 على وجه التحديد ومن خلال بيان العيوب التي اعتورت النصوص التي نظمتها من جهة أو ما أبرزته التجربة العملية بشأنها من جهة أخرى ، مع ذكر سبل معالجة تلك الاشكاليات وكيفية التغلب عليها وتجاوزها ما تيسر لنا ذلك .
وعليه فإننا سنعرض لموض وع هذه الورقة من خلال العناصر الآتية :
أولاً : الإشكاليات الإجرائية أو الشكلية للتحكيم وفقاً للقانون رقم لسنة 1995.
ثانياً : الإشكاليات الموضوعية للتحيكم في الكويت وفقاً للقانون رقم لسنة 1995

أولاً : الإشكاليات الإجرائية أو الشكلية للتحكيم وفقاً للقانون رقم 11 لسنة 1995
1) التوسع في تشكيل هيئة التحيكم القضائي من العناصر القضائية:
يلاحظ ابتداءً أن نص المادة الأولى من القانون رقم 11 لسنة 1995 قد أدخلت تعديلاً جوهرياً على تشكيل هيئة التحكيم القضائي ، حيث أصبح عدد أعضائها خمسة بعد أن كان ثلاثة ، وقد رجحت كفة التشكيل القضائي على الهيئة في التنظيم الجديد بعد أن كان العنصر غير القضائي هو الغالب، حيث أصبح عدد القضاة ثلاثة أعضاء في حين اقتصر عدد غير القضاة على اثنين ، وأصبح تشكيل الهيئة مكتملاً خماسياً بعد أن كان ثلاثياً .وليس من شك في أن التغيير الذي طرأ حمل في ثناياه بعض الملاحظات التي لابد من تسجيلها وهي:
1 – أن غلبة العنصر القضائي على أعضاء الهيئة يتنافى وفكرة التحكيم التي تبنى أساساً على سلطان الإرادة للمحتكمين ، حيث أنهم يشكلون هيئة تمثل مصالحهم وتكون قريبة لتفهم الجوانب والاعتبارات الفنية أو التجارية لمنازعاتهم ، وهو ما لا يتحقق في حالة غلبة العنصر القضائي كما هو في التنظيم المستحدث في القانون رقم 11 لسنة 1995، رغم تسليمنا بأنه تحكيم مؤسسي أو قضائي .
بل أن غلبة العنصر القضائي قد تثير التردد والمخاوف من عدم التحرر من الإجراءات القضائية الاعتيادية ، وعلى الأخص عدم السرعة وغياب الاعتبارات الفنية ، وظهور الإجراءات غير المبسطة، والتي هي خلاف لما يتميز به التحكيم، ويكون سبباً للالتجاء إليه.
ومن المآخذ المرتبطة بالتشكيل القضائي ذي الأغلبية الحاسمة والراجحة، هو الخشية من أن يؤدي ذلك إلى تقليص بل وربما انعدام دور وتأثير المحكمين الآخرين ، الذين يمثلان طرفي النزاع أساساً خصوصاً حال حدوث ظاهر ميل القضاة إلى فكرة التضامن بالرأي وتبني اتجاهات قضائية محددة في مسائل متفرقة معروضة عليهم نظراً لأسبقية تبنيهم لها في أحكام قضائية سابقة أو مماثلة ، وهو ما يؤدي إلى إهدار كل قيمة للتحكيم الذي مبناه ومبعثه سلطان الإرادةوالتخلص من الإجراءات التقليدية للتقاضي بما فيها من أعراف وتقاليد قد يصعب على القضاة التحرر منها أو تجاوزها بسهولة ويسر، وهو تخوف مشروع لا بد من الإشارة إليه وخصوصاً وأن حكم الهيئة التحكيمية يصدر من الأغلبية والتي تعتبر متوافرة دائماً للقضاء على انفراد في ضوء أحكام المادة الأولى من القانون رقم 11 لسنة 1995.
2 ) اعتبار هيئة التحكيم بتشكيلها سابق الإشارة إليه هي الجهة المختصة في حل المنازعات الناشئة عن العقود التي تبرم بعد العمل بهذا القانون، ما دامت تتضمن تلك العقود حل هذه المنازعات بطريقة التحكيم، ما لم ينص في العقد أو في نظام خاص بالتحكيم على غير ذلك ولئن كان هذا النص قد أوجد سبيلاً عملياً في معالجة حالة إغفال المتعاقدان المتفقان على التحكيم إجراءات تعيين المحكمين أو الجهة التي تتولى ذلك. إلا أنه في ذات الوقت حلاً قد اعتدى على فكرة سلطان الإرادة ، حيث أنه قضى على مساحة الحرية المتاحة لطرفي النزاع في تحديد المحكمين من خلال اللجوء للقضاء ، وهو منهج منتقد في رأينا دون شك .
3 ) الأخذ بفكرة التحكيم الإجباري من خلال اعتبار هيئة التحكيم القضائي مختصة اختصاصاً سالباً لأية جهات أخرى في شأن المنازعات التي تقوم بين الوزارات أو الجهات الحكومية أو الأشخاص الاعتبارية العامة وبين الشركات التي تملك الدولة رأسمالها بالكامل ، وفيما بين هذه الشركات لا يخلو من الانتقاد ، ولعل موضع انتقادنا لهذا المنحى هو ـ رغم إيجابيته الظاهرة إلاّ أنه قد قيد الجهات الحكومية والأشخاص الاعتبارية يل وحتى الشركات الحكومية تقييداً شديداً في عدم إمكانيتها اللجوء إلى سبيل آخر لحل منازعاتها إلا أمام هذه الهيئة، دون تمييز مبني على طبيعة ونوع النشاط الذي تباشره تلك الجهات أو الهيئـات من جهة ، أو نوع وطبيعة بل وكيفية تملك الدولة لهذه الشركات منهجة أخرى ، بما لا يقتضي دائماً وبالضرورة إخضاعها لاختصاص هيئة التحكيم القضائي، خصوصاً إذا كان من مصلحتها عدم الالتزام بذلك وفقاً لطبيعة أنشطتها أو المنازعة القائمة بينها .
4 ) افتراض المادة الأولى من القانون آنف الذكر أن مصالح أحد طرفي النزاع المتعددين في التحكيم متماثلة أو هي كذلك حينما قضت بأنه في حالة تعدد أشخاص أحد طرفي النزاع فانه ليس لهم إلاّ أن يختاروا محكماً واحداً عنهم ، وهو مايثير العديد من الصعوبات والإشكالات نظراً لتعدد مصالح هؤلاء الأشخاص، بل وهو ما قد ينتهي ـ وهو الأغلب ـ إلى عدم إتفاقهم على من سيقومون بتعيينهم محكماً عنهم ، بما سينتهي معه الأمر إلى تعيين إدارة التحكيم القضائي لمحكم آخر ليس لإرادة أحد طرفي النزاع أي دور في تعينه، وفي الوقت الذي حظي به الطرف الآخر بميزة تعيينه لمحكمه ، وهو وضع غير طبيعي يقضي إلى وضع غير متوازن بين أطراف الخصومة. وهو ما يعتبر خللاً في نظام التحكيم القضائي وفقاً لما ورد بنص المادة الأولى من القانون المذكور، ومن ثم يصبح التساؤل عن مدى منطقية وسلامة ودقة الخيار الذي اتجه إليه المشرع الكويتي حينما جعل أحد طرفي النزاع المتعددين يمثلون بمحكم واحد فقط مع ما يترتب عليه من آثار أمر لازم، وهو ما يوجب إعادة النظر بهذا الموضوع حرصاً على تفعيل التحكيم وجعله أكثر ارتباطاً أوالتصاقاً بفكرة سلطان الإرادة وتعادل وضع المحتكمين باعتبار أن ذلك أحد أهم مزايا التحكيم من جهة ، ومبعثاً للإطمئنان ولتأكيد حقوق الدفاع لأطراف النزاع جميعاً .
5 ) أن نظام التحكيم وفقاً للقانون رقم 11 لسنة 1995، حينما ألزم الحكومة بالخضوع للتحكيم بمجرد التجاء الطرف الآخر إليه ي مواجهتها ـ رغم تحفظاتنا الدستورية عليه وهو ما سنعرض له لاحقاً ـ فإنه قد حمل الحكومة تكاليف مالية قد تكون باهضة في أحيان كثيرة نظراً لالتزامها بسداد أتعاب المحكمين ، في الوقت الذي لا تدفع الحكومة فيه أي مقابل مالي نتيجة خضوعها للقضاء نظراً لأنها معفية من رسوم التقاضي وهو ما يعتبر وجهاً سلبياً بالنسبة للجهات الحكومية بصفة عامة . 6 ) ليس بيّناً على وجه التعيين أن القانون رقم 11 لسنة 1995 قاصراً فيما أورده من أحكام على هيئات التحكيم القضائي فقط، فهو قد أوجد تداخلاً غير مبرر مع أحكام المواد 173 –188 من قانون المرافعات الخاصة بنظام التحكيم الاختياري ، نظراً لأنه قد وسع من نطاق اختصاص هيئات التحكيم إلى حالات كانت تخضع للتحكيم الاختياري وفقاً لقانون المرافعات من جهة ، ونظراً لانطوائه على أحكام شبيهة تفضل أحياناً أحكام قانون المرافعات من جهة أخرى بما يجعل التساؤل المشروع الذي يثور بهذا الشأن هو أليس من الممكن إثارة مدى انطباق بعض أحكام القانون رقم 11 لسنة 1995 على بعض حالات التحكيم الواردة في قانون المرافعات خصوصاً إذا كانت ما أوردته من أحكام تعتبر تكملة لنقص وارد فيها أو تضمن معالجة جديدة تفضل تلك ، هذا تساؤل هام ومشروع رغم أن نص المادة 13 من القانون تنص على أنه” يعمل بأحكام هذا القانون بالنسبة لهيئات التحكيم الواردة به .. ” أي أنه قاصر على هيئات التحكيم القضائي.
ألا أن الواقع هو أن هذا القانون لم يلغ إلاّ نص المادة 177 من قانون المرافعات لأنه نظم أحكامها لكنه نظمّ أحكام أخرى يوجد لها تنظيم مماثل بل ربما تنظيم أفضل أو أسوأ في بعض الأحيان عن التنظيم الوارد في قانون المرافعات.
هذا مجرد تساؤل لا أظن أن بابه سيكون مغلقاً بصفة نهائية.
ثانياً : الإشكاليات الموضوعية للتحكيم القضائي بالكويت وفقاً للقانون رقم 11 لسنة 1995 .
ويمكن لنا أن نوجز الإشكالات الموضوعية المرتبطة بقانون التحيكم رقم 11 لسنة 1995 بمسألتين على غاية من الأهمية وهما :
1- إشكالية اختصاص هيئة التحكيم.
فقد أورد القانون في مادته الثانية المسائل التي تختص بها هيئة التحكيم ومن ذلك نظر المنازعات التي تنشأ بين أحد الأفراد أو الأشخاص الخاصة والجهات والجهات أو المؤسسات الحكومية في حالة طلب الأفراد أو الأشخاص الخاصة نظر النزاع من قبل هيئات التحكيم القضائي.
وهو ما اثار جدلاً واسعاً فيما إذا كانت هيئات التحكيم المنشأة وفقاً لقانون رقم 11 لسنة 1995 تختص بجميع المنازعات التي تنشأ بين الحكومة والأشخاص الخاصة بما في ذلك اختصاصها بنظر القرارات الإدارية وما يترتب عليها من آثار ضارة بحق هذه الأشخاص، كما تمثل أيضاً العقود الإدارية وما ينشأ عليها آثار أو حقوق مالية لمصلحة المتعاقد مع الإدارة بعداً هاماً لهذا الجدل ، أم أن اختصاص هيئات التحكيم القضائي قاصراً على المنازعات ذات الطبيعة التجارية والمدنية فقط تمسكاً بظاهر اسم القانون باعتباره قانوناً للتحكيم في المواد التجارية والمدنية .
وقد انعكس هذا الاختلاف والتباين ي فهم أحكام هذا القانون في شأن اختصاص هيئة التحكيم القضائي بشكل واسع على جهات عديدة أدت إلى لجوء ذوي الشأن من الأفراد والأشخاص المعنوية الخاصة إلى هيئات التحكيم القضائي المنشـأة وفقاً للقانون رقم 11 لسنة 1995 طالبة منها الفصل في منازعاتها مع الجهات الحكومية رغم اتصالها بالقرار الإداري في بعض الأحيان ، والعقد الإداري في أحيان أخرى . ولم تسلم هيئات التحكيم ذاتها من آثار التباين في فهم الاختصاص المسند لها وفقاً لهذا القانون، ففي الوقت الذي اتجهت أحكامها إلى رفض اختصاصها بنظر القرار الإداري باعتباره من أعمال السلطة العامة المتعلقة بالنظام العام وم ثم لاتخضع للصلح وبالتالي لا تكون موضعاً للتحكيم ، ذلك أن القاعدة التي اطردت عليها أحكام هيئات التحكيم هي أن ما يخضع للصلح يمكن أن يكون محلاً للتحكيم والعكس صحيح. وهو الحكم الذي أورده القانون المدني في المادة 554 منه وقانون المرافعات في المادة 173 منه، فالمادة 554 تنص على أنه : ” لا يجوز الصلح في المسائل المتعلقة بالنظام العام، ولكنه يجوز في الحقوق المالية المترتبة عليها”، في حين تنص المادة 173 من قانون المرافعات على أنه : ” ولا يجوز التحكيم في المسائل التي لا يجوز فيها الصلح ” وبالبناء على ذلك انتهت أحكام هيئات التحكيم إلى عدم اختصاصها بنظر القرارات الإدارية وما يترتب عليها من آثار ولا يغير من حقيقة هذا الأمر أن نص المادة الثانية من القانون رقم 11 لسنة 1995 أنه جاء عاماً مطلقاً في شأن اختصاص هيئات التحكيم القضائي ذلك أنه نص عام يقيد بحكم المادة ( 1 ) من قانون إنشاء الدائرة الإدارية الذي أناط بالمحكمة الإدارية وحدها الاختصاص للفصل في هذا المنازعات للفصل في هذه المنازعات وما ينشأ عنها من علاقات قانونية. وعلى نفس هذا النهج ذهب أحكام هيئات التحكيم القضائي إلى عدم اختصاصها فيما يتعلق بالعقد الإداري من حيث طبيعة العقد الإداري وشروطه وما أنطوى عليه من امتيازات لكونها من المسائل المتعلقة بالنظام العام ، إلاّ أن ما يتمخض عن العقد الإداري من حقوق مالية محضة ليس بمنأى عن التحكيم القضائي بل هو الوسط الطبيعي الذي يمكن أن يتعايش مع جوهر هذا النظام ، حسبما ذهبت إلى ذلك أحكام هيئات التحكيم القضائي .
وخلاصة القول في هذا الشأن أن هناك تفاوتاً حتى لدى هيئات التحكيم القضائي في مدى اختصاصها بالنسبة للعقود الإدارية على وجه التحديد باعتبار أن هناك وجهين مختلفين يتصلان بالعقد الإداري أحدهما يخرج عن التحكيم وهي طبيعة العقد وشروطه وامتيازاته وثانيهما الحقوق المالية الناجمة عن ذلك العقد. ولايزال هذا الجدل في شأن اختصاص هيئات التحكيم القضائي قائماً حتى يومنا هذا ، والأمر معروض أمام محكمة التمييز التي سيكون حكمها هو الفصل في بيان طبيعة اختصاص هيئات التحكيم القضائي. ولا يفوتنا أن ننوه إلى أن هذه إشكالية مستمرة ومثيرة للجدل الفقهي بل وحتى القضائي حتى بعد صدور حكم محكمة التمييز بأي اتجاه كان ولذلك فإنه من السلم تدخل المشرع وحسم ذلك بنص صريح لا مجال معه للتأويل .
2- إشكالية إلزام الحكومة بالخضوع للتحكيم القضائي رغم إرادتها:
لعله من المهم هنا الإشارة إلى الاشكالية الثانية والمتعلقة بما أورده حكم الفقرة الثالثة من المادة الثانية من القانون رقم 11 لسنة 1995 والتي يقضي حكمها بالنسبة للوزارات والجهات الحكومية التي تقدم طلبات التحكيم من الأفراد والأشخاص الخاصة في مواجهتها ، بأنه ” تلتزم هذه الجهات بالتحكيم ما لم تكن المنازعة سبق رفعها أمام القضاء ” ، فهذه الجهات ملزمة بحكم هذه المادة بالخضوع للتحكيم القضائي بمجرد اختيار الأفراد أو الأشخاص الاعتبارية الخاصة اللجوء لهذه الهيئات، ومن ثم فليس لها الحق في أن رتفض ذلك أو تعترض عليه. وهو حكم بداهة يعتبر غريب وغير سائغ وعلى الأخص من الوجهة الدستورية ذلكم أنه يتنافى مع حق التقاضي الذي يقتضي افساح المجال لأصحاب النزاع في اختيار قاضيهم الطبيعي، ولا غرو في أن هيئات التحكيم لايمكن وبأي حال من الأحوال أن تعتبر القاضي الطبيعي للمتقاضين، بما في ذلك الجهات الإدارية والتي يعتبر القاضي الطبيعي بالنسبة لها هو القضاء الإداري وفقاً لما قرره الدستور الكويتي بنص المادة 169 منه ، وهو ما أورد أحكامه تفصيلاً القانون رقم 20 لسنة 1981 المعدل بالقانون رقم 61 لسنة 1982 في شـأن المحكمة الإدارية .
ومن ثم فإن عنصر إلزام الحكومة في الخضوع للتحكيم رغماً عنها فيه قسر لها على إتيان أمر خلافاً لإرادتها ، كما أن فيه مصادرة لحقها في التقاضي وحرمانها من اللجوء لقاضيها الطبيعي، على النحو الذي يرتب عدم منطقية وسلامة حكم المادة ( 2 ) من القانون رقم 11 لسنة 1995 بل ويشكك بدستوريته بحسبان أنه صادر أصل الحق وهو حق التقاضي واعتدى عليه اعتداءاً صارخاً .
ولئن كان من المتعذر عملاً إثارة الدفع بعدم الدستورية من قبل الحكومة لأسباب مختلفة فإنه من الممكن أن تقوم أية جهة حكومية في أي يوم من الأيام بإثارة هذا الدفع ليأخذ النزاع طريقه إلى المحكمة الدستورية والتي ستفصل فيه بدورها بحكم منهي لمثل هذا الوضع غير المطمئن إليه .
وربما من المفيد هنا الإشارة إلى أنه ولو كانت الكويت تأخذ بالدعوى الشعبية الدستورية وهي دعوة تتشابه مع دعوى الحسبة في الشريعة الإسلامية، والتي يحق بموجبها لكل مواطن في الدولة اللجوء للقضاء حماية لمصالح الأمة( الدولة ) ورعايتها ، فإنه كان من الممكن أن يقوم الأفراد بتقديم الطعن بعدم دستورية القانون رقم 11 لسنة 1995 حفاظاً على أموال الدولة ومصالحها، إلاّ أن هذا الطريق غير متيسر في الكويت، وهو ما يجعل هذه الشبهة كامنة وقابلة للإثارة أمام القضاء في أي وقت عندما ترغب إحدى الجهات الحكومية التمسك بها، فهل يحدث ذلك ، أم يلجأ المشرع إلى تدارك هذا القصور ويصحح الوضع ويعيد الأمور إلى نصابها بالغاء شرط الإلزام من جهة ، حفاظاً على مفهوم التحكيم والأسس التي بني عليها والتي من أهمها إحترام سلطان الإرادة وإحترام مبدأ وحق التقاضي لجميع الأطراف من جهة أخرى.
وبهذا نكون قد وصلنا إلى نهاية المطاف في ورقتنا هذه التي حاولت التركيز على الإشكاليات الشكلية والموضعية التي أنطوى عليها قانون التحكيم القضائي رقم 11 لسنة 1995 آملين أن نكون أسهمنا ولو بالنذر اليسير إلى بيان رأينا في هذا الموضوع الحيوي طامحين أن يتدارك المشرع الكويتي هذه الإشكاليات ويعمد إلى تلاقيها دعماً لفكرة التحكيم القضائي الرائدة وتعزيزاً لمكانته وحمايته لأصوله التي تبناها وعمد إلى تطويرها في العديد من التشريعات المتلاحقة والتي كان آخرها القانون محل هذه الورقة وهو القانون رقم 11 لسنة 1995 .